تمهـيــــــــــــــــــد:-
الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنه وسائر صحابة رسول الله أجمعين:قال في خطبة له يذكر فيها آل محمد صلى الله عليه وسلم [ هم عيش العلم، وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخافون الحق ولا يختلفون فيه، هم دعائم الإسلام و ولائج الاعتصام، بهم عاد الحق في نصابه وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية . فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل] (15).
الخوارج إسم وصفة
قال بعض من قاتلوا مع الإمام على كرم الله وجهه في معركة صفين "إن الحكم إلا لله "(16).وسمعها أمير المؤمنين بالمسجد عند التحكيم فقال كرم الله وجهه كلمته المشهورة ( قولة حق يراد بها باطل ) ، ولما رأى زعيمهم عبد الله بن الكواء وشبت بن ربعي أن الفريقين اتفقا على الحكمين ، قال : إني خلعت عليا ومعاوية وبرئة من حكميهما ، ثم انحازوا إلى حر وراء وهم يومئذ اثنا عشر ألفا ، ولذالك سميت الخوارج حرورية ، وهؤلاء هم من المحكمة الأولى وكان دينهم إكفار على، وعثمان، وأصحاب الجمل، ومعاوية وأصحابه ، والحكمين ، ومن رضي بالتحكيم .
ولقد سُمًوا خوارج ليس لعداوتهم للإمام على بل لسبب قام بنفوسهم، لأنهم لم يعقـلوا الدين عقل ورعاية و رعاية، فدفعهم حكمهم الخاطئ في حق الدين لأعمال خارجة عن كل قيمة عليا ومثل سام للدين الحنيف، وإن ادعوا غير ذلك، أو أظهروا خلاف ما يبطنون، فغلب على أصحاب المحاكمة الأولى اسم الخوارج على الرغم من تعدد فرقهم وظل لصيقا بهم مدى التاريخ، ثم صار هذا الاسم صفة لكل من يخرج على روح الدين والشريعة الإسلامية، وانقسمت الخوارج عشرون فرقة، منهم الأزارقة أتباع نافع ابن الأزرق الحنفي بنجد، والنجدات أتباع نجدة بن عامر بمنطقة اليمامة بنجد، وقد جمعهم من الدين أشياء:الأولى- قولهم أن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون، وخالفهم المحاكمة الأولى، أنهم كفار لا مشركون.الثانية – أن الذين لم يناصروا على ولم يقاتلوا معهم ولم يهاجروا إليهم مشركون وإن كانوا على رأيهم (رأى الخوارج). الثالثة – أوجبوا امتحان من هاجر إليهم مدعيا أنه على ما هم عليه فإن صدق أبقوه إلا قتلوه. الرابعة – استحلالهم إهدار دم مخالفيهم وأسر نسائهم وأطفالهم أو قتلهم وسلب أموالهم. وكما قيل:
إن الروافض كالمجوسِ ضلالةً *** عذرا لكم يا عابدي النيرانِ
بل هم أشد من المجوس ضلالةً *** ومن اليهود وعابدي الصلبانِ
فالرفض أخبث مذهب وعقيدةٍ *** عرفتهما الدنيا مدى الأزمانِ
هم جند إبليس اللعين وحزبهِ *** هم صفوةً من شيعة الشيطانِ
هم لعنةً حلت بأمة أحمدٍ *** هم في الورى كالسمِ والسرطانِ
" وظهرت فرقة من المشبهة عدهم المتكلمون فى فرق الملة، لإقرارهم بلزوم أحكام القرآن، وإقرارهم بوجوب أركان شريعة الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام والحج عليهم، وإقرارهم بتحريم المحرمات عليهم، وإن ضلوا وكفروا في بعض الأصول العقـلية.منهم الهشامية لهشام بن الحكم من الإمامة الرافضة الذي شبه معبوده بالإنسان ، وهشامية هشام بن سالم الجواليقى زعم أن معبود ه على صورة إنسان ، ومنهم التونسية ليونس بن عبد الرحمن القمى ، الذي زعم أن الله تعالى يحمله حملة عرشه ، وإن كان هو أقوى منهم ،كما أن الكركى تحمله رجلاه وهو أقوى من رجليه ، ومنهم الكرامية الذين ادعوا أن الله تعالى جسم له حد ونهاية وأنه محل الحوادث ، وأنه مماس لعرشه . ومن االخارجين عن دين الإسلام وإن انتسبوا في الظاهر إليه، البيانية أتباع بيان بن سمعان الذي زعم أن معبوده إنسان من نور على صورة الإنسان في أعضائه، وأنه يفنى كله إلا وجهه "(18).
هذه الضلالات تطعن في عقيدة الداعين إليها ومعتقديها ومعتنقيها، ولا يكونوا محل ثقة في أحكامهم وفتواهم، فقد عد المتكلمين بعضهم في ملة الإسلام مطعون في عقيدتهم، والبعض الأخر خارج عن دين الإسلام وإن انتسبوا في الظاهر إليه، ثم تلقف دعوة الخوارج الروافض والمشبهة والحشوية ثلة من المنتسبين إلى المذهب الحنبلي في القرن الرابع الهجري، وصنفوا فيها ونسبوا ذلك للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ورد علي قولهم علماء عصرهم، وأثبتوا أن قولهم هذا يؤدى إي التشبيه والجسمية لا محالة، وفى القرن السادس الهجري تصدى لأفكارهم تلك الإمام الفقيه الحنبلي الحافظ عبد الرحمن بن الجو زى الحنبلي بكتابه ( دفع شبهة التشبيه ) وهو مطبوع، وقال ابن الجو زى في ذلك: [ رأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصح......فصنفوا كتابا شانوا به المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس فسمعوا أن الله خلق آدم على صورته. فأثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات وفما، و لهواة وأضراس وأضواء لوجهه، ويدين وإصبعين وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخذا وساقين ورجلين وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس. وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات فسموها بالصفات تسمية مبتدعة. ولا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى. ولا إلغاء ما توجبه الظواهر من صفات الحدث ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل حتى قالوا صفة ذات . وقد استفاض ابن الجو زى في بيان بطلان ما اعتمدوا عيه من أقوال، وأشبعهم لوما وتجهيلا حتى قال في قصيدة له:- لعمري لقد أدركت منهم مشايخا = وأكثر من أدركته ما له عقل.](19)
وقد قال بعض الأفاضل: رجلان من هذه الأمة ابتليا بقوم سوء، فنسبوا إليهما ما هما براء منه جعفر بن محمد الباقر و احمد بن حنبل اﮪ . فأما جعفر بن محمد أبتلى بتلك الفرقة التي تدين بسبً أحب العباد إلى الله ورسوله بعد النبيين أبو بكر وعمر، وبتنقيص الكثير من أصحاب سيد المرسلين بدعوى التشيع لآل البيت، والله ورسوله ودينه براء من هذا التشيع. وأما الإمام أحمد رضى الله عنه فقد اندس بين المحققين من أتباعه حشوية المحدثين الذين لا بصر لهم بأصول الدين ولا فقه لهم بكتاب الله...و قالوا على الله ما لا يعلمون نسبوا ما هم عليه من هذا التجسيم إلى ذلك الإمام الأجل."(20)
"ولقد قال هذا القول الذي ينتقده ابن الجو زى ( بعض ممن اندس بين المحققين من حشوية المحدثين المنتسبين للمذهب الحنبلي منهم ) القاضي أبو يعلى الفقيه الحنبلي المشهور (المتوفى سنة457ﮪ) وكان مثار نقد شديد وجه إليه، حتى لقد قال فيه بعض فقهاء الحنابلة ( لقد شان أبو يعلى الحنابلة شيئا لا يغسله ماء البحار). وقال مثل هذا القول ابن الزغوانى المتوفى ( المتوفى سنة 527ﮪ ) وقال فيه بعض الحنابلة أيضا:0 (إن في قوله من غرائب التشبيه ما يحار فيه النبيه ) 0
وهكذا استنكر الحنابلة ذلك الاتجاه عندما شاع في القرن الرابع والقرن الخامس 0 ولذلك استتر هذا المذهب حتى أعلنه ابن تيمية في جرأة وقوة وزاد آرائه انتشارا اضطهاده بسببها 0 فإن الاضطهاد يذع الآراء وينشرها 0 ولذالك كثر أتباعه بسبب الاضطهاد وكسب لرأى ( لرأيه ) ذيوعا وانتشارا "(21)
رجوع ابن تيمية وتوبته
ولولا تلك القدسية لابن تيمية التي يضفيها عليه أتباعه من الوهابية اليوم ولولا تسارعهم لنشر كتبه المحشوة بالقضايا الخطرة التي تهدم الدين بين الشباب المسلم وطلبة العلم، لما تطرقت أصلا لابن تيمية وذلك لسبب منطقي وهو أن ابن تيمية في سنة 707هـ رجع رجوعا صادقا عن بدعه أمام العلماء والقضاة وشهد على نفسه بأنه أشعري، وانتهى أمر بدعته بعد سجنه حتى مات، ومن تاب تاب الله عليه، وهذا نص التوبة المذكورة:- شهد من يضع خطه أخره أنه لما عقد مجلس لتقي الدين أحمد بن تيمية الحراني الحنبلي بحضرة المقر الأشراف العالي المولوي الأميري ألكبيري العالمي العادلي السيفي ملك الأمراء سلار الملكي الناصري نائب السلطنة المعظمة أسبغ الله ظله، وحضر فيه جماعة من السادة العلماء الفضلاء أهل الفتيا بالديار المصرية بسبب ما نقل عنه ووجد بخطه الذي عرف به قبل ذلك من الأمور المتعلقة باعتقاده أن الله تعالى يتكلم بصوت، وأن الاستواء على حقيقته، وغير ذلك مما هو مخالف لأهل الحق، انتهى المجلس بعد أن جرت فيه مباحث معه ليرجع عن اعتقاده في ذلك، إلى أن قال بحضرة شهود:
" الحمد لله، الذي أعتقده أن القرآن معنى قايم( قائم ) بذات الله، وهو صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية ، وهو غير مخلوق ، وليس بحرف ولا صوت ، وليس هو حالا في مخلوق أصلا لا ورق ( غير واضحة بالأصل ) ولا حسب ولا غير ذلك . والذي أعتقده من قوله – الرحمن على العرش استوى – أنه على ما قاله الجماعة الحاضرون، وليس على حقيقته وظاهره، ولا أعلم كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله. والقول في النزول كالقول في الاستواء، أقول فيه ما أقول فيه، لا أعلم كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله، وليس على حقيقته وظاهره كما قال الجماعة الحاضرون، وكلما يخالف هذا الاعتقاد فهو باطل، وكلما فى خطى أو لفظي مما يخالف ذلك فهو باطل، وكلما في ذلك مما فيه إضلال الخلق أو نسبة ما لا يليق بالله إليه فأنا برئ منه، فقد برئة منه وتايب إلى الله من كل ما يخالف ذلك. كتبه أحمد بن تيمية، وذلك في يوم الخميس سادس من ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة، وكلما كتبته وقلته في هذه الورقة فأنا مختار في ذلك غير مكره
كتبه أحمد بن تيمية، حسبنا الله ونعم الوكيل"(22). وبأعلى هذا المكتوب بمقربة الحمد لله، بخط سيدنا قاضى القضاة بدر الدين ما صورته. أعترف عندي بكل ما كتب به في التاريخ المذكور، وبحاشية الخط إعترف بكل ما كتبه بخطه، كتبه عبد الغنى بن محمد الحنبلي – وبآخر خط ابن تيمية رسوم شهادات أخرى لعلماء وقضاه أجلاء واضحة بالمخطوط المرفق
ولعل جهل هذه الحقيقة ـ أعني رجوع ابن تيمية إلى الحق ـ كان سببا رئيسا في تأرجح كلمة العلماء فيه بعد وفاته، ففي القرن التاسع الهجري جاء إلى البلاد المشرقية الإمام الكبير والمناظر الخطير الضارب بسهم وافر في شتى العلوم العلامة محمد بن محمد الشهير بالعلاء ابن البخاري وكان معظما عند أرباب الدولة، مفخما عند العلماء أشعري الاعتقاد، سيفا مسلولا على أهل البدع، وكان ممن يكفرون طائفة ابن عربي الصوفي ويزبد ويرعد فيهم وصنف في إكفاره، فلما وصل هذا العالم إلى مصر والشام وكان معظما لابن تيمية، فعارضه البعض بكلام ابن تيمية المخالف لعقائد المسلمين فطالع العلاء البخاري عقيدة ابن تيمية من جديد وصار يحاول الاعتذار عنه وآل الأمر في آخر المطاف إلى أن كفر ابن تيمية وصنف في ذلك كتابا يكفره فيه ، بل ويكفر من سماه بشيخ الإسلام ، فرد عليه ابن ناصر الدين الدمشقي الصوفي الأشعري بكتاب سماه الرد الوافر ، وقد قرض الكتاب الأخير جماعة من كبار علماء مصر منهم الحافظ ابن حجر والبدر العيني والشمس ألبساطي و البلقيني وغيرهم ، واعترضوا على تكفير ابن تيمية ، متعللين بأنه لم يكن يصر على الباطل ويلمحون إلى رجوعه الذي أسلفناه ، وهذا هو الحق ، فابن تيمية لم يحفظ عليه بعد تاريخ الرجوع المذكور أنه حوكم في العقائد إلى اليوم ، وتلاميذه من بعده مختلفون ليسوا على رأي واحد ، فمنهم قلة قليلة بقيت على آرائه التي كان عليها قبل رجوعه ، ولم يصدقوا بأنه رجع عنها ، وأكثرهم لم يكن يوافقه عليها ، بل البعض منهم لم تكن له دراية بأمور العقائد ، وجماعة من تلاميذه يعلمون بأنه قد تاب مما خالف فيه ، لهذا كانت المدرسة المصرية أعدل الطوائف فيه ، فهي لم تأخذ بشذوذاته العقدية التي يكفر معتقدها ، ولم تقل بتكفيره أيضا لما ثبت عندهم من رجوعه ، ومع هذا فقد استمر خلاف المسلمين فيه من ذلك الوقت إلى اليوم ، ولم تكن الناس بل ولا العلماء وطلاب العلم يلتفتون إلى هذه المسألة أصلا قرون طويلة ،
ادعى أحد المتوترين الوهابيين أن الحافظ العلائي وأبا حيان الأندلسي والذهبي والحافظ ابن حجر العسقلاني وبدر الدين بن جماعة وكمال الدين بن الزملكاني أثنوا على ابن تيمية خيرًا. ما ذكره الحافظ أبو سعيد العلائي في ابن تيمية، فقد نقل الحافظ المؤرخ شمس الدين بن طولون في ذخائر القصر عن الحافظ العلائي شيخ الحافظ العراقي نسبته إلى ابن تيمية قوله: إن الله مركب مفتقر إلى ذاته افتقار الكلّ إلى الجزء وإن الله بقدر العرش لا أكبر منه ولا أصغر وأن العالم قديم بالنوع وأن نبينا عليه الصلاة والسلام ليس له جاه ولا يتوسل به أحد إلا ويكون مخطئًا وأن إنشاء السفر لزيارة نبينا معصية لا يقصر فيها الصلاة وأن عذاب أهل النار ينقطع... الخ وهذا الحافظ العلائي من الحفاظ الثقات العدول وكان من معاصري ابن تيمية، فهل من قال عنه ذلك يكون مدحه أم ذمه، أم يكون كفّره؟!!! وأما ما قاله المفسر أبو حيان الأندلسي في ابن تيمية فهو ما ذكره في تفسيره النهر في تفسير آية الكرسي ما نصه: "وقرأت في كتاب لأحمد بن تيمية هذا الذي عاصرنا وهو بخطه سماه "كتاب العرش" إن الله يجلس على الكرسي وقد أخلى منه مكانًا يُقعد معه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم" آه. ... ولما وقف عليه الشيخ أبو حيان ما زال يلعنه حتى مات بعد إن كان يعظمه
" الحمد لله، الذي أعتقده أن القرآن معنى قايم( قائم ) بذات الله، وهو صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية ، وهو غير مخلوق ، وليس بحرف ولا صوت ، وليس هو حالا في مخلوق أصلا لا ورق ( غير واضحة بالأصل ) ولا حسب ولا غير ذلك . والذي أعتقده من قوله – الرحمن على العرش استوى – أنه على ما قاله الجماعة الحاضرون، وليس على حقيقته وظاهره، ولا أعلم كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله. والقول في النزول كالقول في الاستواء، أقول فيه ما أقول فيه، لا أعلم كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله، وليس على حقيقته وظاهره كما قال الجماعة الحاضرون، وكلما يخالف هذا الاعتقاد فهو باطل، وكلما فى خطى أو لفظي مما يخالف ذلك فهو باطل، وكلما في ذلك مما فيه إضلال الخلق أو نسبة ما لا يليق بالله إليه فأنا برئ منه، فقد برئة منه وتايب إلى الله من كل ما يخالف ذلك. كتبه أحمد بن تيمية، وذلك في يوم الخميس سادس من ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة، وكلما كتبته وقلته في هذه الورقة فأنا مختار في ذلك غير مكره
كتبه أحمد بن تيمية، حسبنا الله ونعم الوكيل"(22). وبأعلى هذا المكتوب بمقربة الحمد لله، بخط سيدنا قاضى القضاة بدر الدين ما صورته. أعترف عندي بكل ما كتب به في التاريخ المذكور، وبحاشية الخط إعترف بكل ما كتبه بخطه، كتبه عبد الغنى بن محمد الحنبلي – وبآخر خط ابن تيمية رسوم شهادات أخرى لعلماء وقضاه أجلاء واضحة بالمخطوط المرفق
ولعل جهل هذه الحقيقة ـ أعني رجوع ابن تيمية إلى الحق ـ كان سببا رئيسا في تأرجح كلمة العلماء فيه بعد وفاته، ففي القرن التاسع الهجري جاء إلى البلاد المشرقية الإمام الكبير والمناظر الخطير الضارب بسهم وافر في شتى العلوم العلامة محمد بن محمد الشهير بالعلاء ابن البخاري وكان معظما عند أرباب الدولة، مفخما عند العلماء أشعري الاعتقاد، سيفا مسلولا على أهل البدع، وكان ممن يكفرون طائفة ابن عربي الصوفي ويزبد ويرعد فيهم وصنف في إكفاره، فلما وصل هذا العالم إلى مصر والشام وكان معظما لابن تيمية، فعارضه البعض بكلام ابن تيمية المخالف لعقائد المسلمين فطالع العلاء البخاري عقيدة ابن تيمية من جديد وصار يحاول الاعتذار عنه وآل الأمر في آخر المطاف إلى أن كفر ابن تيمية وصنف في ذلك كتابا يكفره فيه ، بل ويكفر من سماه بشيخ الإسلام ، فرد عليه ابن ناصر الدين الدمشقي الصوفي الأشعري بكتاب سماه الرد الوافر ، وقد قرض الكتاب الأخير جماعة من كبار علماء مصر منهم الحافظ ابن حجر والبدر العيني والشمس ألبساطي و البلقيني وغيرهم ، واعترضوا على تكفير ابن تيمية ، متعللين بأنه لم يكن يصر على الباطل ويلمحون إلى رجوعه الذي أسلفناه ، وهذا هو الحق ، فابن تيمية لم يحفظ عليه بعد تاريخ الرجوع المذكور أنه حوكم في العقائد إلى اليوم ، وتلاميذه من بعده مختلفون ليسوا على رأي واحد ، فمنهم قلة قليلة بقيت على آرائه التي كان عليها قبل رجوعه ، ولم يصدقوا بأنه رجع عنها ، وأكثرهم لم يكن يوافقه عليها ، بل البعض منهم لم تكن له دراية بأمور العقائد ، وجماعة من تلاميذه يعلمون بأنه قد تاب مما خالف فيه ، لهذا كانت المدرسة المصرية أعدل الطوائف فيه ، فهي لم تأخذ بشذوذاته العقدية التي يكفر معتقدها ، ولم تقل بتكفيره أيضا لما ثبت عندهم من رجوعه ، ومع هذا فقد استمر خلاف المسلمين فيه من ذلك الوقت إلى اليوم ، ولم تكن الناس بل ولا العلماء وطلاب العلم يلتفتون إلى هذه المسألة أصلا قرون طويلة ،
ادعى أحد المتوترين الوهابيين أن الحافظ العلائي وأبا حيان الأندلسي والذهبي والحافظ ابن حجر العسقلاني وبدر الدين بن جماعة وكمال الدين بن الزملكاني أثنوا على ابن تيمية خيرًا. ما ذكره الحافظ أبو سعيد العلائي في ابن تيمية، فقد نقل الحافظ المؤرخ شمس الدين بن طولون في ذخائر القصر عن الحافظ العلائي شيخ الحافظ العراقي نسبته إلى ابن تيمية قوله: إن الله مركب مفتقر إلى ذاته افتقار الكلّ إلى الجزء وإن الله بقدر العرش لا أكبر منه ولا أصغر وأن العالم قديم بالنوع وأن نبينا عليه الصلاة والسلام ليس له جاه ولا يتوسل به أحد إلا ويكون مخطئًا وأن إنشاء السفر لزيارة نبينا معصية لا يقصر فيها الصلاة وأن عذاب أهل النار ينقطع... الخ وهذا الحافظ العلائي من الحفاظ الثقات العدول وكان من معاصري ابن تيمية، فهل من قال عنه ذلك يكون مدحه أم ذمه، أم يكون كفّره؟!!! وأما ما قاله المفسر أبو حيان الأندلسي في ابن تيمية فهو ما ذكره في تفسيره النهر في تفسير آية الكرسي ما نصه: "وقرأت في كتاب لأحمد بن تيمية هذا الذي عاصرنا وهو بخطه سماه "كتاب العرش" إن الله يجلس على الكرسي وقد أخلى منه مكانًا يُقعد معه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم" آه. ... ولما وقف عليه الشيخ أبو حيان ما زال يلعنه حتى مات بعد إن كان يعظمه
وذكر الحافظ مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء ج2/106 طبع دار الفكر ما نصه: قال التقي ألسبكي "وكتاب العرش من أقبح كتبه (أي لابن تيمية) ولما وقف عليه الشيخ أبو حيان ما زال يلعنه حتى مات بعد أن كان يعظمه" اهـ بحروفه وهذا أبو حيان الأندلسي المفسر النحوي المشهور من معاصري ابن تيمية، فماذا يكون حال من قال هذا في ابن تيمية؟ أ له يكون مادحًا أم قادحًا ؟ بل مكفرًا لابن تيمية.
وهذا الذهبي كان معاصرًا لابن تيمية مدحه في أول الأمر ثم لما انكشف له حاله قال في رسالته بيان زغل العلم والطلب:"وقد تعبت في وزنه وفتشه حتى مللت في سنين متطاولة فما وجدت أخّره بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم وازدروا به وكذبوه وكفروه إلا الكبر والعجب وفرط الغرام في رئاسة المشيحة والازدراء بالكبار فانظر كيف وبال الدعاوى ومحبة الظهور" اهـ. وهذه الرسالة ثابتة عن الذهبي لأن الحافظ السخاوي نقل عنه هذه العبارة في كتابه الإعلان بالتوبيخ ص77 وهذه العبارة هي آخر كلام الذهبي في ابن تيمية، أليس هذا قدحًا؟ و لاكن الوهابية حذفوا هذه العبارة من بعض مؤلفاتهم لأنها لا توافق مشربهم. و هاك ما ذكره الحافظ العسقلاني في ابن تيمية في كتابه الدرر الكامنة (ج1 ص154 ـ 155) أن ابن تيمية طعن بالخلفاء الراشدين الأربعة، وأن العلماء نسبوه (أي ابن تيمية) إلى التجسيم والزندقة والنفاق اهـ. وذكر الحافظ أيضًا في كتابه "لسان الميزان" ج6/319 ما نصه:"وكم من مبالغة له (أي لابن تيمية) لتوهين كلام الحلي أدت به أحيانًا إلى تنقيص علي رضي الله عنه".اهـ وقدحه في غير ذلك من كتبه. وأما بدر الدين بن جماعة فقد نقل ابن شاكر ألكتبي تلميذ ابن تيمية في "عيون التواريخ" ج20/ص179 أن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ضلل ابن تيمية وأمر بحبسه اهـ.
وكذلك نقل ابن شاكر ألكتبي في تاريخه في الجزء العشرين:"أن القضاة والفقهاء اتفقوا على أن كمال الدين بن الزملكاني يحاقق ابن تيمية ورضوا كلهم بذلك".اهـ ثم من المشهور أن كمال الدين بن الزملكاني ناظر ابن تيمية ورد عليه برسالتين وكيف سيمدحه العلماء المحققون وقد ثبت عليه ـ أي ابن تيمية ـ القول بأزلية نوع العالم والقول بفناء النار والقول في حق الله بالجلوس والقول بإنكار سنية زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك.والذين قدحوا ابن تيمية من العلماء أكثر من أن يحصوا في وريقات وما ذكرناه فيه شفاء لصدور قوم مؤمنين.
إلى أن قامت الدعوة الوهابية من نجد:- فأحيت الفتنة فتبنت آراء المجسمة الحنابلة كلها بشكل مجمل غير مفصل ، بشكل رهيب ملفت للنظر ، وقدسوه ابن تيمية وعظموه غاية التعظيم ، حتى صار ابن تيمية عندهم مساويا لكلمة السلف !! والسلف مساوية لكلمة ابن تيمية، وغلوا فيه غلوا عظيما، وبدأت كتب ابن تيمية تظهر إلى الوجود مرة أخرى، بعد أن أعدمت في حياته ونزعت ومزقت وحرقت واندثرت وما كان أحد يجرؤ على إظهارها ومدارستها علنا، فعادت طباعتها من جديد في دولة عبدا لعزيز آل سعود ! ، وحذفوا منها ما لا يوافق دعواهم الباطنية وأضافوا إليها ما يردوا به حجج غيرهم، ولا توجد مخطوطات تؤكد صحة نسب تلك الكتب إلى ابن تيمية، حتى ولو زوروها سيتم كشف تاريخ كتاباتها بواسطة الوسائل العلمية الحديثة، ولما لقي عبد العزيز آل سعود دعما ماليا وعسكريا من الصهيونية العلمية وبريطانيا وأمريكا لطرد أشراف مكة من الجزيرة العربية لإقامة المملكة السعودية الجديدة بمساندة قوية و اعترافا دوليا، وقال حاييم وايزمان في مذكراته ( في 11/3 / 1932م قال تشرشل: أريدك أن تعلم يا وايزمان أنني وضعت مشروعا لكم ينفذ بعد الحرب" الحرب العالمية الثانية " يبدأ بأن أرى ابن سعود سيدا على الشرق الأوسط وكبير كبرائه، على شرط أن يتفق معكم أولا، ومتى قام هذا المشروع، عليكم أن تأخذوا منه ما أمكن وسنساعدكم في ذلك، وعليك كتمان هذا السر، ولكن انقله إلى روزفلت، وليس هناك شئ يستحيل تحقيقه عندما أعمل لأجله أنا، ) وروزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. وبدأت علاقاتها بالدول الإسلامية المحيطة تتحسن بدأت كتب ابن تيمية تتدفق من المطابع السلفية بالمملكة، هل هم غير عارفين بمغبة هذا الأمر وما يمكن أن تحدثه كتب ابن تيمية ؟!، فهي لم تخضع في حينها ولا اليوم للدراسة والمناقشة والفحص بل ولا التحقيق والتأكد من صحة نسبتها إلى ابن تيمية بعيد عن تأثيرات البتر ودولار! ، أم هل هم متعمدين لنشر فكر ابن تيمية والزيادة علية بما يحقق أهداف محركيهم، والحذف من كتب ابن تيمية ما يخاف أهدافهم ؟ إذا كان لكتب ابن تيمية أصل مخطوط بيده، أو حتى اصل مخطوط محرف ، فهناك من الوسائل العلمية الحديثة ما يمكن من معرفة تاريخ الوثيقة، أم أن الأمر كما جاء بمذكرات وايزمان أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني ، ومذكرات جون فيلبى ، والواضحة بوثائق المخابرات البريطانية وكتب تاريخ آل سعود ، [ بعد مصرع قائد جيش آل سعود الذي أسسه الإنجليز النقيب شكسبير على أيدي قوات ابن الرشيد ، أمرت المخابرات البريطانية الحاكم الفعلي لمنطقة الخليج العربي والجزيرة السير بيرسى كوكس اليهودي ، لدعم آل سعود وتعيين سكرتيره الخاص العقيد جون فيلبى خلفا للنقيب شكسبير ، وتسليمه المسؤولية للعمل بكل وسيلة تمكنه من دحر خصوم آل سعود ]000[ وقد تفرغ فليبي للعمل على إقامة مشروع بريطانيا الأول في المنطقة ، وإعادة تنظيم الجيش السعودي وتمويله بالأسلحة والذخائر ، وإعادة إحياء الأفكار الجاهلية الوهابية بعد أن تظاهر جون فليبي باعتناقها وأطلق على نفسه اسم محمد عبد الله فيلبى ، وبدأ في جولات لإيجاد أنصار له في كل بلدة وقبيلة وقرية في أنحاء جزيرة العرب ، وإيجاد عملاء لتزويده بالمعلومات عن خصومه من أحرار الجزيرة ، مع بث أفكار الجاهلية الوهابية ، وبث الإشاعات المرجفة والتركيز على كسب العديد من الوجهاء ورجال الدين الأدعياء والأغبياء ، وسارت الأمور بقيادته على أحسن ما تريد الحكومة البريطانية الأمر الذي نال عليه الثناء الكثير وخاصة بعد أن تمكن من إسقاط حكم ابن الرشيد في حائل .]، و كانت اكبر وأعظم ثمار جهود مجموعة الفلاسفة التجريبيين البريطانيين والتي ظهرت أعمالهم في الفترة من (1650م-1850م ) إحياء أفكار ابن تيمية على يد سلطان نجد قبل تنصيبه ملك لنجد والحجاز. ثم إحياء أفكار تحقق أهدافهم ونسبتها إلى ابن تيمية أو مؤسس الفكر الوهابي. وهكذا رجع الخلاف من جديد وبدأ الصراع القديم يتجدد بسبب كتب ابن تيمية، واشتد اضطراب الوضع، وأحس كثير من العلماء بالخطر الذي تحمله كتب ابن تيمية والذي قد تظهر آثاره على المدى البعيد، فهب من جماعة أهل العلم ـ وما أكثرهم ـ للرد على كتب ابن تيمية وما فيها، علماء من المغرب وتونس وموريتانيا والجزائر ومصر والسودان وتركيا والهند واليمن ومن كل بلاد الإسلام تقريبا، والناس البسطاء والشباب المتحمس للصحوة الإسلامية يحسبون أن القضية تقف عند حد مسألة التوسل والقبور وبعض الألفاظ ومسالة التقليد أو الاجتهاد وأشياء من هذا الباب !!! ولم يعلموا حقيقة الأمر المرير الذي أدركه المحققون من العلماء، حتى أن بعض العلماء من شدة خوفهم على عقائد الناس آثروا السكوت لظنهم أنه الحل لصرف الناس عن كتب ابن تيمية، ولكن البعض الآخر كان يرى أن السكوت من شأنه فيما يأتي من الزمن ويستقبل من الوقت أن يوهم الناس رضا العلماء عما في كتب ابن تيمية من المسائل الخطيرة فشرعوا في كتابة الردود والتحذير، ولم يكن قد ظهر إمامهم مؤشرات توحي أن هناك وثائق مخفية ظهرت عناوينها ولولا وجود مصالح للدول الغربية لتم نشرها، ولو جئنا لحصر هؤلاء العلماء وتفصيل جهودهم في الرد على تنوعها من مؤلف خاص أو مقال أو محاضرات أو بحوث لطال الأمر جدا ونشير في هذه العجالة إلى أهم التصنيف التي كتبت في هذا المجال، ثم إن ابن تيمية وإن كان ذاع صيته وكثر أتباعه وزاد آراءه انتشارا اضطهاده بسببها، فإن الاضطهاد يذيع الآراء وينشرها، وهو كما قال فيه المحدث الحافظ الفقيه ولى الدين العراقي في كتابه الأجوبة المرضية على المسائل المكية "علمه أكبر من عقـله " وقال أيضا:" إنه خرق الإجماع في مسائل كثيرة قد تبلغ ستين مسألة بعضها في الأصول وبعضها في الفروع خالف فيها بعد الانعقاد عليها "0 اﮪ0 وتبعه على ذلك خلق من العوام وغيرهم، فأسرع علماء عصره في الرد عليه وتبديعه، منهم الإمام الحافظ على ابن عبد الكافي السبكى قال فى الدرة المضيئة ما نصه:" أما بعد، فإنه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعقد، بعد أن كان مستترا بتبعية الكتاب والسنة، مظهرا أنه داع إلى الحق هادى إلى الجنة ، فخرج عن الإتباع إلى الابتداع ، وشذ عن جماعة المسلمين بمخافة الإجماع ، وقال بما يقتضى الجسمية والتراكيب في الذات المقدس ،وأن الافتقار إلى الجزء –أي افتقار الله إلى الجزء – ليس بمحال ،وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى ، وأن القرآن مُحدث تكلم الله به بعد أنلم يكن ، ,انه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات ،وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم ، والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات فقال بحوادث لا أول لها ، فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديما ، ولم يجمع أحد في ملة من الملل ولا نحلة من النحل ، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة و السبعين التي افترقت عليها الأمة ، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همًة ، وكل ذلك وإن كان كفرا شنيعا مما تقل جُملته بالنسبة لما أحدث فى الفروع "0 اﮪ وابن تيمية شذ عن الجماعة فى الأصول والفروع
وقد أورد الحافظ أبو سعيد العلائي شيخ الحافظ العراقي كثيرا من هذه المسائل، نقلها المحدث الحافظ المؤرخ شمس الدين ابن طولون في" ذخائر القصر" قال ما نصه: " ذكرا لمسائل التي خالف فيها ابن تيمية الناس في الأصول و الفروع، فمنها ما خالف فيه الإجماع، ومنها ما خالف فيه الراجح من المذاهب. وأما مقالاته في أصول الدين فمنها قوله: إن الله سبحانه محل الحوادث، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وإنه مركب مفتقر إلى ذاته افتقار الكل إلى الجزء. و أن القرآن محدث في ذاته تعالى. وأن العلم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوق دائما، فجعله موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار، سبحانه ما أحلمه. ومنها قوله بالجسمية والجهة والانتقال وهو مردود. وصرح في بعض تصانيفه بأن الله تعالى بقدر العرش لا اكبر منه ولا أصغر، تعالى الله عن ذلك، وصنف جزءا في أن علم الله لا يتعلق بما لا يتناهى كنعيم أهل الجنة، وأنه لا يحيط بالمتناهي، وهى التي زلق فيها بعضهم، ومنها أن الأنبياء غير معصومين، وأن نبينا عليه وعليهم الصلات والسلام ليس له جاه ولا يتوسل به أحد إلا ويكون مخطئا، وصنف في ذلك عدة أوراق 0 وأن إنشاء السفر لزيارة نبينا صلى الله عليه وسلم معصية لا يقصر فيها الصلاة، وبالغ في ذلك ولم يقل بها أحد من المسلمين قبله 0 وأن عذاب أهل النار ينقطع ولا يتأبد حكاه بعض الفقهاء عن تصانيفه0 ومن أفراده أيضا أن التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظها بل هي باقية على ما. أنزلت وإنما وقع التحريف في تأويلها، وله فيه مصنف، هذا آخر ما رأيت، وأستغفر الله من كتابة مثل هذا فضلا عن اعتقاده " ا.هـ، ولو جئنا لحصر وتفصيل جهود العلماء في الرد على ابن تيمية على تنوعها من مؤلف خاص أو محاضرات أو مقالات أو بحوث لطال الأمر، فتصدى لابن تيمية علماء عصره، لما أخذ ابن تيمية يمضى في شذوذه، ونشير في هذه العجلة أنه لما قام العلماء ضده كان الذهبي ممن سعى في تهدئة الطرفين، مرة يعتب أضداده على تشددهم عليه مراعاة لسعة علمه، وأخرى يبعث برسائل إليه ليخفف من غلوائه وليحذره عواقب ما هو عليه من الوقيعة في كبار أهل العلم والشذوذ عنهم، والذهبي كان من أشياعه ومتابعيه إلا في مسائل، لكنه لما وجد أن فتنته تأخذ كل مأخذ، ولم يبقى معه سوى مقلدي الحشوية والمخدعين به هم كما ذكرهم الذهبي في نصيحته لابن تيمية، وها هي الصورة الزنكوغرافية بخط التقى ابن قاضى شبهه منقولة من نسخة البرهان بن جماعة التي كتبها من نسخة الصلاح العلائي المأخوذة من خط الذهبي، ففي إمكان الباحث الذي لا يعرف خط ابن قاضى شبهه أن يتأكد بالمقارنة بين الصورة الزنكوغرافية وخطه المحفوظ في دار الكتب المصرية وبخزانتها0 وصورة أصل المخطوط المصور زنكوغرافيا مرفقة "(23)، ونص هذه الرسالة هي:
الإمام الذهبى و نصيحته لإبن تيمية
" الحمد لله على زلتي، يا رب ارحمني وأقلني عثرتي، واحفظ عليَّ إيماني، واحزناه على قلة حزني، واأسفاه على السنة وذهاب أهلها، وا شوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء، واخزناه على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات، آه على وجود درهم حلال وأخ مؤنس. طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتَبًّا لمن شغله عيوب الناس عن عيبه، إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقـك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس مع علمك بنهي الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تذكروا موتاكم إلا بخير فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"، بلى أعرفُ إنك تقول لي لتنصُرَ نفسك: إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شمّوا رائحة الإسلام ولا عرفوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو جهاد، بلى والله عرفوا خيرًا مما إذا عمل به العبد فقد فاز، وجهلوا شيئًا كثيرًا مما لا يعنيهم و: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" يا رجل بالله عليك كفَّ عنَّا فإنك مِحجاجٌ عليم اللسان لا تقرّ ولا تنام، إياكم والأغلوطات في الدين، كره نبيك صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وقال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان"، وكثرة الكلام بغير دليل تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام فكيف إذا كان في العبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمي القلوب؟ والله قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبشُ دقائق الكفريات الفلسفية لنردَّ عليها بعقولنا، يا رجل قد بلعتَ سموم الفلاسفة ومصنفاتهم مرات، وبكثرة استعمال السموم يُدمن عليها الجسم وتكمن والله في البدن. وا شوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبر، وخشية بتذكر، وصمت بتفكر، واهًا لمجلس يُذكرُ فيه الأبرار فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، لا عند ذكر الصالحين يُذكرون بالازدراء واللعنة، كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخَيتَهما، بالله خلُّونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب، وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها رأسًا من الضلال قد صارت هي محض السنة وأساس التوحيد، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار، ومن لم يكفّر فهو أكفر من فرعون، وتعد النصارى مثلنا، والله في القلوب شكوك إن سلم لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد، يا خيبة من اتبعك فإنه مُعَرَّضٌ للزندقة والانحلال، ولا سيما إذا كان قليل العلم والدين بطوليا شهوانيًّا لكنه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه، فهل معظم أتباعك إلا قعيدٌ مربوط خفيف العقل، أو عامي كذّاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر، أو ناشف صالح عديم الفهم، فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل، يا مسلم أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك، إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟ إلى كم تصدقها وتزدري بالأبرار، إلى كم تعظمها وتصغر العباد، إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد، إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح بها والله أحاديث الصحيحين، يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك بل في كل وقت تُغيرُ عليها بالتضعيف والإهدار أو بالتأويل والإنكار، أما ءان لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب، أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل. بلى والله ما أذكر أنك تذكر الموت بل تزدري بمن يذكر الموت، فما أظنك تقبل على قولي ولا تُصغي إلى وعظي بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات وتقطع لي أذناب الكلام، ولا تزال تنتصر حتى أقول لك: والبت سكت0 فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحبُّ ألواد، فكيف يكون حالك عند أعدائك، وأعداؤك والله فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر. . قد رضيتُ منك بأن تسبني علانية وتنتفع بمقالتي سرًّا:"رحم الله امرءًا أهدى إلي عيوبي"، فإني كثير العيوب غزير الذنوب، الويل لي إن أنا لا أتوب، وا فضيحتي من علاّم الغيوب، ودوائي عفو الله ومسامحته وتوفيقه وهدايته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين(24) انتهى.
ابن تيميةسلف الوهابية
قال الكوثرى عن المثبتين لعلو الله على خلقه وجلوسه على عرشه، فأين كان الله تعالى جالسا قبل أن العرش تعالى الله عن قولهم علو كبيرا: " لا حظ لهم في الإسلام غير أنهم جعلوا صنمهم الأرضي صنما سماويا....وقد سمي عقيدتهم الوهابية أنها: عقيدة الشرك والوثنية، الوثنية الخرقاء، الوثنية الأولى، الوثنية الصريحة، الوثنية في الإسلام، الوثنية الملبسة بلباس السنة، تحذير الأمة من دعاة الوثنية، منطق البادية والوثنية "(25) وقال الشيخ سعيد بن عبد الطيف فوده عن السلفية: وقد ظهر أتباع ابن تيمية أول ما ظهروا تحت اسم الوهابية، ثم بعد زمان غيروا اسمهم في بعض البلاد إلى اسم السلفية، وذلك لأسباب تكتيكية ليتمكنوا من جذب عامة الناس إليهم خاصة بعدما شاع عنهم كثير من الفظائع التي افتعلوها في المسلمين تحت شعار هـذا المذهب."
وقال في " المختصر في أحكام النظر ":
" والحقيقة أن ما قاله محقق الكتاب ليس مذهب السلف بل مذهب طائفة السلفية من أهل هذا العصر الذين هم في الحقيقة طائفة المجسمة أتباع ابن تيمية "
وقال في كتابه " الانتصار للأشاعرة " ص 11
" وكم كنت أتمنى أن يظهر الخلاف بين الأسلوب الذي يتبعه من يدعي إتباع المعتزلة والأسلوب الذي يتبعه الوهابيون في هذا الاتجاه، خصوصاً أنه ينبغي أن يظهر هذا الاختلاف بين المنهجين للاختلاف الحقيقي بين فكر المعتزلة وفكر الوهابية الذين هم المجسمة على التحقيق."
وقال في رسالته غرر الفوائد في كتب العقائد ص 33 وما بعدها - وفيه التلميح بكفر الوهابية ودولتهم:
" وقد زالت آثار الفتنة التي أحدثها ابن تيميّة في زمانه وفي الزّمان الذي تلاه، وسيطر الأشاعرة مرّة على سير الأمور حتّى هذا الزّمان الذي نحن فيه. ولم يتخلّل هذا إلاّ نقاطا سوداء من ترسّبات أفكار هذا الرّجل حاولت أن تسوّد صحيفة سير الإسلام البيضاء، ولم يكن لها أيّ أثر في وقتها.
حتّى جاء هذا الزّمان العصيب، حين تفكّكت دولة الإسلام، وهي دولة الخلافة على أيدي المخادعين، والعملاء المدسوسين من الدّول الكافرة، وهجمت دول الغرب بقوّتها الماديّة فقسّمت بلاد المسلمين إلى أجزاء كالدّمى بين أيديهم، وكان أوّل ما فكّر فيه هؤلاء المستعمرون، هو أن يدمّروا الوحدة الفكريّة العقائديّة التي يتّصف بها المسلمون من الهند حتّى المغرب العربيّ، ومن أواسط أوروبّا إلى المناطق النائية في قارّة إفريقيا، فزرعوا بحيلهم وقوّتهم الماديّة دولة خبيثة وسط بلاد الإسلام، عمالتها لهؤلاء الكفّار واضحة، ولكنّها تتستّر بلباس الدّين والإسلام، وظلّت تكيد لمذهب أهل السنّة منذ أوّل ظهورها حتّى هذا الزمان الذي انتشر فيه فسادها لما بين يديها من أموال، وقد رأى المستعمرون الكفّار في أفكار ابن تيميّة بغيتهم التي ينشدون، وهكذا فعلوا، فقد حمّلوا هذه الدّولة القائمة في نجد والحجاز فكرة ابن تيميّة المبتدع الحاقد على أهل السنّة، وساندوها بالسّلاح والتدبير، واستطاعوا أن يصلوا إلى هدفهم من تفكيك العالم الإسلاميّ في الفقه والعقيدة بعد أن كان وحدة واحد. واللّه المستعان على كيد الكفّار.وهكذا وبتخطيط من أعداء الدّين وسير هؤلاء الوهابيّة المبتدعة معهم، انقلب الأمر وتغيّرت الأمور، وصار عامّة النّاس يرمون الأشاعرة بالابتداع وهم حماة الدّين، وما كانت هذه إلاّ خطوة ليتمكّن أعداء الدّين من إحكام قبضتهم على المسلمين.وقد استغلّ هؤلاء الحمقى المبتدعة الخيرات التي أودعها اللّه بحكمته في بطون الصحراء من نفط وذهب ومعادن شتّى، لتكون حماية لبيته العتيق في هذا الزّمان، فقلب هؤلاء الأمر وتظاهروا بخدمة الحرمين، وكم أنفقوا من الأموال على المفاسد، من أمور لا تخدم الدّين، وصرفوا قسما كبيرا منها في نشر كتب المجسّمة حتّى صارت على كلّ لسان، وتراها عين كلّ إنسان، وغطّوا بأفعالهم هذه على علماء أهل السنّة الكرام إلى غير ذلك من مفاسد كبيرة ليس هذا محلّ بيانها.ولم يكتفوا بذلك بل جاهروا بفعلتهم النّكراء حين مكّنوا اليهود من بيت المقدس وجعلوا هذا من حقّهم الأكيد، واستجلبوا الأمريكان وغيرهم وصرفوا الأموال في بناء القواعد العسكريّة لهم في ديار كانت تحكمها دولة الإسلام. وهم بين أظهرهم يسلبون خيراتهم ويحكمون الوثاق على أعناقهم هذا.كلّه وقد تبلّدت نفوس العامّة بعد فسادها –بل والخاصّة- بتشرّبها بمذاهب المبتدعة من المجسّمة.و نتج عن هذا كلّه غياب الرّوح العقليّة المتحفّزة التي كان أوائل المسلمين يملكونها، وتقودهم للدّفاع عن حمى عقيدة الإسلام. وذلك لأنّ منهج أهل السنّة غاب عن أعين النّاس بل صاروا يرونه بعد وضلالة وقسيما للكفر، وهم يحسبون أنّهم على شيء..فصار المنحطّ في التفكير يكتب في شؤون العقائد، وينقد المذاهب، وينصّب نفسه حكما بل قاضيا على فحولة الإسلام. وأتاح هذا الجوّ المجال مفتوحا أمام الأفكار الغربيّة والشّرقيّة الملوّثة بتعاليم الكفّار أن يتبنّاها أبناء المسلمين، ويدافعون عنها ويظنّون أنه الحقّ"(26). و الذين يتلاعبون بألفاظ الدين ويتمحكون بالعبارات، مستغلين الدين لتحقيق أطماعهم الضيقة الخفية، والتي قد لا تظهر بدعوتهم الظاهرة لقولهم قولة حق يراد بها الباطل المستكن بنفوسهم، فإنهم إن عقلوا الدين عقل وعاية لا رعاية بل بعقل سماع ورواية، فإن حكمهم واستدلالهم وجدالهم الممل بطوية خبيثة وإن ادعوا غير ذلك، فكم من أناس لابد أن يكون قد زعزع هذا الجدل أسس عقيدتهم، ويجعل العقيدة الإسلامية عويصة على الفهم، مليئة بالشكوك والشبهات، الأمر الذي يؤدى إلى خلق شعور من اليأس والإحباط. بل تتزعزع أصول العقيدة، ويكون المسلمين قد دخلوا الجحر الذي دخله اليهود والنصارى وبهذا نصير كما صاروا، وهذا ما نراه الآن من الفرقة السلفية الوهابية، لقول مؤسسها:{ ولما قلت لهم أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية والمالكي والشافعي والحنبلي كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم}(27)، أليس أن قد نجح أعداء الإسلام في تصدير أسباب فشلهم لمن توهموا أنهم مجددون ودعاة لتصحيح التوحيد من الشر كيات ؟!، أم أن الأمر على غير ذلك ؟ وهذا ما قد يتناوله البحث إن شاء الله تعالى. ولم يجد الإسلام مدافعا إلى الآن يبين الحق في أصول العقيدة الدينية البسيطة التي صارت عقيدة محفوف، مليئة بالشكوك والشبهات، فأدى ذلك إلى خلق شعور من اليأس بل زعزع أصول العقيدة الدينية ذاتها، إلا عددا قليلا من بقية العلماء المخلصين ومن تأثر بهم من المعاصرين، ولم يكن هؤلاء ليملكوا القدر الكافي الذي يمكّنهم من الوقوف أمام هذا التيار الجارف. لأنّ الأمر أعظم من أن يقوم به أفراد قلائل.. ولا نريد أن نطيل في هذا الكلام الذي تطغى عليه الصبغة الخطابيّة، ولكنّه بهذا القدر هنا مفيد.ونحن بما نحاول هنا، نستحثّ المسلمين والمخلصين للّه ربّ العالمين علة القيام بهذا الواجب الجسيم ولا يتسنى لمن يقوم بتسجيل الأحداث التاريخية وهو معاصر لها أن يحكم حكما صحيحا مجردا من الهوى والتحيز. كما لا يمكن ربط العلل بمعللاتها والأسباب بمسبباتها إلا بعد مرور فترة من الزمن تكفى لأن تخف حدة التأثر بتلك الأحداث وتأثر المؤرخ بها ،وقد تظهر أسرار أو يكشف عن وثائق تظهر كثير من الخفايا التي لم يكن لأحد معرفتها إلا بعد فترات زمنية قد تطول أو تقصر حسب أهمية الحدث ودرجة سريته ،فبظهور تلك الخفايا واختفاء أبطال تلك الأحداث عندئذ يمكن الحكم على الأشياء حكما بعيدا عن الهوى والتحيز والفرض .
" والحقيقة أن ما قاله محقق الكتاب ليس مذهب السلف بل مذهب طائفة السلفية من أهل هذا العصر الذين هم في الحقيقة طائفة المجسمة أتباع ابن تيمية "
وقال في كتابه " الانتصار للأشاعرة " ص 11
" وكم كنت أتمنى أن يظهر الخلاف بين الأسلوب الذي يتبعه من يدعي إتباع المعتزلة والأسلوب الذي يتبعه الوهابيون في هذا الاتجاه، خصوصاً أنه ينبغي أن يظهر هذا الاختلاف بين المنهجين للاختلاف الحقيقي بين فكر المعتزلة وفكر الوهابية الذين هم المجسمة على التحقيق."
وقال في رسالته غرر الفوائد في كتب العقائد ص 33 وما بعدها - وفيه التلميح بكفر الوهابية ودولتهم:
" وقد زالت آثار الفتنة التي أحدثها ابن تيميّة في زمانه وفي الزّمان الذي تلاه، وسيطر الأشاعرة مرّة على سير الأمور حتّى هذا الزّمان الذي نحن فيه. ولم يتخلّل هذا إلاّ نقاطا سوداء من ترسّبات أفكار هذا الرّجل حاولت أن تسوّد صحيفة سير الإسلام البيضاء، ولم يكن لها أيّ أثر في وقتها.
حتّى جاء هذا الزّمان العصيب، حين تفكّكت دولة الإسلام، وهي دولة الخلافة على أيدي المخادعين، والعملاء المدسوسين من الدّول الكافرة، وهجمت دول الغرب بقوّتها الماديّة فقسّمت بلاد المسلمين إلى أجزاء كالدّمى بين أيديهم، وكان أوّل ما فكّر فيه هؤلاء المستعمرون، هو أن يدمّروا الوحدة الفكريّة العقائديّة التي يتّصف بها المسلمون من الهند حتّى المغرب العربيّ، ومن أواسط أوروبّا إلى المناطق النائية في قارّة إفريقيا، فزرعوا بحيلهم وقوّتهم الماديّة دولة خبيثة وسط بلاد الإسلام، عمالتها لهؤلاء الكفّار واضحة، ولكنّها تتستّر بلباس الدّين والإسلام، وظلّت تكيد لمذهب أهل السنّة منذ أوّل ظهورها حتّى هذا الزمان الذي انتشر فيه فسادها لما بين يديها من أموال، وقد رأى المستعمرون الكفّار في أفكار ابن تيميّة بغيتهم التي ينشدون، وهكذا فعلوا، فقد حمّلوا هذه الدّولة القائمة في نجد والحجاز فكرة ابن تيميّة المبتدع الحاقد على أهل السنّة، وساندوها بالسّلاح والتدبير، واستطاعوا أن يصلوا إلى هدفهم من تفكيك العالم الإسلاميّ في الفقه والعقيدة بعد أن كان وحدة واحد. واللّه المستعان على كيد الكفّار.وهكذا وبتخطيط من أعداء الدّين وسير هؤلاء الوهابيّة المبتدعة معهم، انقلب الأمر وتغيّرت الأمور، وصار عامّة النّاس يرمون الأشاعرة بالابتداع وهم حماة الدّين، وما كانت هذه إلاّ خطوة ليتمكّن أعداء الدّين من إحكام قبضتهم على المسلمين.وقد استغلّ هؤلاء الحمقى المبتدعة الخيرات التي أودعها اللّه بحكمته في بطون الصحراء من نفط وذهب ومعادن شتّى، لتكون حماية لبيته العتيق في هذا الزّمان، فقلب هؤلاء الأمر وتظاهروا بخدمة الحرمين، وكم أنفقوا من الأموال على المفاسد، من أمور لا تخدم الدّين، وصرفوا قسما كبيرا منها في نشر كتب المجسّمة حتّى صارت على كلّ لسان، وتراها عين كلّ إنسان، وغطّوا بأفعالهم هذه على علماء أهل السنّة الكرام إلى غير ذلك من مفاسد كبيرة ليس هذا محلّ بيانها.ولم يكتفوا بذلك بل جاهروا بفعلتهم النّكراء حين مكّنوا اليهود من بيت المقدس وجعلوا هذا من حقّهم الأكيد، واستجلبوا الأمريكان وغيرهم وصرفوا الأموال في بناء القواعد العسكريّة لهم في ديار كانت تحكمها دولة الإسلام. وهم بين أظهرهم يسلبون خيراتهم ويحكمون الوثاق على أعناقهم هذا.كلّه وقد تبلّدت نفوس العامّة بعد فسادها –بل والخاصّة- بتشرّبها بمذاهب المبتدعة من المجسّمة.و نتج عن هذا كلّه غياب الرّوح العقليّة المتحفّزة التي كان أوائل المسلمين يملكونها، وتقودهم للدّفاع عن حمى عقيدة الإسلام. وذلك لأنّ منهج أهل السنّة غاب عن أعين النّاس بل صاروا يرونه بعد وضلالة وقسيما للكفر، وهم يحسبون أنّهم على شيء..فصار المنحطّ في التفكير يكتب في شؤون العقائد، وينقد المذاهب، وينصّب نفسه حكما بل قاضيا على فحولة الإسلام. وأتاح هذا الجوّ المجال مفتوحا أمام الأفكار الغربيّة والشّرقيّة الملوّثة بتعاليم الكفّار أن يتبنّاها أبناء المسلمين، ويدافعون عنها ويظنّون أنه الحقّ"(26). و الذين يتلاعبون بألفاظ الدين ويتمحكون بالعبارات، مستغلين الدين لتحقيق أطماعهم الضيقة الخفية، والتي قد لا تظهر بدعوتهم الظاهرة لقولهم قولة حق يراد بها الباطل المستكن بنفوسهم، فإنهم إن عقلوا الدين عقل وعاية لا رعاية بل بعقل سماع ورواية، فإن حكمهم واستدلالهم وجدالهم الممل بطوية خبيثة وإن ادعوا غير ذلك، فكم من أناس لابد أن يكون قد زعزع هذا الجدل أسس عقيدتهم، ويجعل العقيدة الإسلامية عويصة على الفهم، مليئة بالشكوك والشبهات، الأمر الذي يؤدى إلى خلق شعور من اليأس والإحباط. بل تتزعزع أصول العقيدة، ويكون المسلمين قد دخلوا الجحر الذي دخله اليهود والنصارى وبهذا نصير كما صاروا، وهذا ما نراه الآن من الفرقة السلفية الوهابية، لقول مؤسسها:{ ولما قلت لهم أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية والمالكي والشافعي والحنبلي كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم}(27)، أليس أن قد نجح أعداء الإسلام في تصدير أسباب فشلهم لمن توهموا أنهم مجددون ودعاة لتصحيح التوحيد من الشر كيات ؟!، أم أن الأمر على غير ذلك ؟ وهذا ما قد يتناوله البحث إن شاء الله تعالى. ولم يجد الإسلام مدافعا إلى الآن يبين الحق في أصول العقيدة الدينية البسيطة التي صارت عقيدة محفوف، مليئة بالشكوك والشبهات، فأدى ذلك إلى خلق شعور من اليأس بل زعزع أصول العقيدة الدينية ذاتها، إلا عددا قليلا من بقية العلماء المخلصين ومن تأثر بهم من المعاصرين، ولم يكن هؤلاء ليملكوا القدر الكافي الذي يمكّنهم من الوقوف أمام هذا التيار الجارف. لأنّ الأمر أعظم من أن يقوم به أفراد قلائل.. ولا نريد أن نطيل في هذا الكلام الذي تطغى عليه الصبغة الخطابيّة، ولكنّه بهذا القدر هنا مفيد.ونحن بما نحاول هنا، نستحثّ المسلمين والمخلصين للّه ربّ العالمين علة القيام بهذا الواجب الجسيم ولا يتسنى لمن يقوم بتسجيل الأحداث التاريخية وهو معاصر لها أن يحكم حكما صحيحا مجردا من الهوى والتحيز. كما لا يمكن ربط العلل بمعللاتها والأسباب بمسبباتها إلا بعد مرور فترة من الزمن تكفى لأن تخف حدة التأثر بتلك الأحداث وتأثر المؤرخ بها ،وقد تظهر أسرار أو يكشف عن وثائق تظهر كثير من الخفايا التي لم يكن لأحد معرفتها إلا بعد فترات زمنية قد تطول أو تقصر حسب أهمية الحدث ودرجة سريته ،فبظهور تلك الخفايا واختفاء أبطال تلك الأحداث عندئذ يمكن الحكم على الأشياء حكما بعيدا عن الهوى والتحيز والفرض .
ولقد تعارف أعلام المؤرخين. أن تاريخ الأمم أو الحركات التي تدعى أنها إصلاحية، لا تكتب في حياة أولئك الذين قاموا بالأدوار الرئيسية فيها وما زالوا على عروشهم، أو أن ورثتهم من أحفادهم تولوا عروشهم وأفكارهم ذاتها التي تثبت أركان عروشهم، فالمؤرخ قد يكون واقعا - في أغلب الأحيان – تحت تأثير أولئك الأشخاص لأسباب قد تكون سياسية أو طمعا في المال أو المنصب أو خوفا من البطش و النكال أو نتيجة لعدم كشف الوثائق التي قد تخفيها الدول لأن كشفها يضر بمصالحها التي ما زلت قائمة الأمر الذي يجعل حكمه عليهم غير مما لو انتظر حتى يصبحوا في ذمة التاريخ، وفى بعض العروش التي ما زالت تستند على أفكار تدعى أنها إصلاحية, غلى قوة المال والبطش فإن الأمر يكون ضبابيا، ولا يكون حكم المؤرخ صحيحا إذا كان عضوا داعيا في تلك الحركات، مما يجعل تسجيلاته التاريخية لنلك الحركات مجرد دعاية وإظهار المحاسن والبطولات من وجهة نظره، كأمثال مؤرخي الفرقة الوهابية، ومنهم الدكتور" منير العجلانى " عضو المجمع العربي بدمشق وأستاذ تاريخ الحقوق والقانون الدستوري في الجامعة السورية ووزير المعارف والعدل في سورية سابقا كلفه الملك فيصل بن عبد العزيز بكتابة تاريخ أجداده السابقين حتى عهد الملك فيصل، فقام بكتابة " تاريخ البلاد العربية السعودية " في ثلاثة أجزاء ،وفى كلمة الإهداء الموجهة للملك فيصل للجزء الأول من هذا الكتاب هذا بعض ما جاء بها حرفيا " يا صاحب الجلالة ..........عرفت يا طويل العمر ، للتاريخ قدره ومنزلته في حياة الشعوب ، فكنت تشجع ، في تعهدك لنهضة بلادك ، كل باحث ومؤلف في التاريخ ، وتعطيه حظا من عنايتك الكريمة ، ولا يفوتنى أن أنوه ، هنا ، بفضلك ، فقد تلطفت بانتدابي للسفر إلى بيروت واستانبول ، وباريس ولندن وغيرها من البلدان،للإطلاع على المصادر التي تتصل بتاريخ العرب عموما . وتاريخ البلاد العربية السعودية خصوصا، فاجتمعت لي مخطوطات ووثائق نادرة لا تقدر بثمن. هذا كتابي، يا طويل العمر، أضع الجزء الأول منه بين يديك، هدية متواضعة، فإن طمعت بأن ينال رضاك، فطمع الهدهدة، التي حملت إلى (سليمان) هديتها الصغيرة، يوم العرض، وقلت له، كالمعتذر: إن الهدايا على قدر مهديها" هذا نوع من مؤرخي الوهابية وهو على قدر من العلم وأستاذ بالجامعة ووزير سابق. لا تعليق ؟!!0
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق